الحارث المحاسبي
270
الرعاية لحقوق الله
كثير ممن ذكرنا قبله ، فإنه إنما راءى بالتطوع ، وإن كان أعظم منه بلية بطلبه المعصية ؛ لأن ذلك عظيم ؛ أن يجعل طاعة اللّه عزّ وجلّ سلما وبضاعة ينال بها معاصيه ، كالرجل يريد الوصية ليختانها « 1 » ، أو أخذه مالا يتصدق به على المساكين أن يختانه ، أو طلب امرأة يريدها للفجور ، أو غلاما يريده لذلك . وذلك على قسمين من الناس : إما طلب الفجور وغيره من أهل الفسوق ، وإما اختياره الوصية والمال يجعل للمساكين ، والوديعة يريد أن يختانها ، وأخذ المال للغزو والحجّ يختانه ، فذلك كثير ممن يظهر القراءة . وقد يظهر القراءة أيضا بعض الفجار ، فيطلب الغلمان والنساء بالطاعة ، فيظهر لبس الصوف والخشوع وكثرة الذكر وطلب العلم والجلوس مع أهل الدين وإتيان مجالس الذكر ، وغير ذلك من البر ؛ ليؤتمن ويوصى إليه ، أو يعطى مالا للمساكين وللوديعة يريد أن يختانها ، ويعطي ما يغزو به أو يعطيه لمن يغزو به . وكذلك من يحج ، وكذلك من يتجر ، يظهر التزيّن بالخشوع والذكر وغير ذلك ؛ لئلا يتهم في الطلب فلا يمكنه الظفر ، أو ليطمئن إليه المرأة والغلام لما يظهر من البر والدين . قلت : من الذي يليه ؟ قال : المرائي بالنوافل ، وقد يظهر أيضا التورّع مع تصنّعه بالتطوع لمعصية هو مقيم عليها ؛ مخافة أن يفطن له ، فإن أختان مالا فادّعي عليه ، أو اغتصب مالا فاتّهم به ، أظهر الخشوع والدين والنسك ، لأن يبرّأ في القلوب ويظنّ به البراءة مما يدعى عليه ، أو مما يرمى به ، أو يظنّ به .
--> ( 1 ) يعني : ليخونها ، ولا يؤديها لأصحابها .